كلمة النقيب الشامي في الإجتماع الطارىء للمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب

شارك نقيب المحامين في طرابلس الأستاذ عبد الله الشامي في الإجتماع الطارىء الذي دعا إليه الأمين العام لـ"اتحاد المحامين العرب" النقيب ناصر حمود الكريوين، لمناقشة تداعيات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده في فلسطين إلى القدس، وذلك في مقر الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب بجمهورية مصر العربية، حيث ألقى الكلمة التالية:

"أيُّها الأحبَّاء،

أبدأُ كلمتي بأبياتٍ شعرية مِنْ وحي المناسبة،

حَدَثٌ يجلجلُ في الرُّبوعِ ويَزأَرٌ،

قَسَماً بِرَبِّ الكونِ نحنُ سنثأرُ

جعلوكِ يا قُدْسُ الحبيبةُ مِنبراً

للغاصبينَ وهُمْ هباءٌ يُنْثَرُ

والعُرْبُ تَرْفلُ في التَّخاذُلِ وَيْحَكُمْ

يا عُرْبُ هَلْ مِنْ قائدٍ يتدبَّرُ؟

هيَّا إنهضوا مِنْ ذُلِّكُمْ وسباتِكُمْ

ما عادَتْ الأوهامُ فينا تُثْمِرُ

طفلُ المغارةِ في البريَّةِ صارِخٌ

ومحمَّدُ بِدُعا الصَّلاةِ يُكَبِّرُ

مهلاً ترامبُ لسوف تشهدُ ثورةً

في كُلِّ أصقاعِ الدُّنى تَتَفَجَّرُ

مِنْ ذُرى لبنانَ... وطن الأرزِ المقدَّس... على امتدادِ الزمان آتيكُمْ، كُرْمَى لعينيكِ يا قُدْسُ.

مُكَلَّلٌ أنا بإباءِ لبنانَ ومحبَّةِ بنيهِ وعنفوانِهِمْ، وهذا كُلُّهُ أسكُبُهُ خاشِعاً على قدميكِ، أيَّتُها المدينةُ الإلهية عربونَ تضحيةٍ وقيامةْ.

تضحية: لأنَّهُ كما يقولُ السيِّدُ المسيح، لَيْسَ هُنَاكَ أعظمُ مِمَّنْ يبذُل نفسَهُ فِداءً عَنْ أحبَّائِهِ، وأنتِ حبيبَتُنا يا قُدْسُ.

وقيامة: لأنَّهُ لَنْ تموتي يا قُدْسُ... مهما حاولوا صَهْيَنَتَكِ وتهويدَكِ وقتلَكِ، ستبقينَ حَيَّةً قدسيَّةً أبيَّةً حُرَّةً عربيةْ.

    القُدْسُ ليْسَتْ قضيَّةً عابِرَةً للأُمَّةِ العربيةْ، ولنْ تكونَ جِسْرَ عبورٍ للهويَّةِ اليهوديةْ.

    القُدْسُ قضيَّةٌ وهويَّةْ، تاريخٌ وحضارةْ، مسجدُ أقْصَى وكنيسةُ قِيامةْ وقبَّةُ الصَّخرةْ.

    القُدْسُ هوىً وهواءٌ، عِشْقٌ ودِماءٌ، صَوتُ حقٍّ، ومَحَطُّ فداءْ.

    القُدْسُ عربيَّةٌ واغتصابُها قضيَّةٌ، ومُنْذُ فَجْرِ التَّاريخِ، هِيَ هِيَ، حاضِنَةُ الحضارةِ والأديانْ، ومَسْرَى الوحْيِ والإلهامْ، ولوْ تغيَّرَ عليها سلطانٌ، وجارَ عليها الزمانُ، ستعودُ يَوْماً قَلْبَ العالمِ العربي، وأنشودةَ السلامْ.

    ومِنْ طرابلسَ لبنان الدَّاعِمُ الدَّائِمْ، لآمالِ وأحلامِ الفلسطينيينْ، مُنْذُ نكبتِها تناغُماً مَعَ بدايةِ صَحوتِها، والتزاماً بمصيرِها نُعْلي الصوتَ على مدى العالمْ.

    فلسطينُ عربيَّةٌ عربيَّةٌ، وقُدْسُهَا حُرَّةٌ حُرَّةٌ، وهويتُها فلسطينيَّةٌ عربيَّةٌ، ومَهْمَا كبُرَتْ مغانِمُ المحتلِّ الكرتونيةْ، ستنتصِبُ شامِخَةً برجالِها، بدماءِ شبابِها، بأفْراحِ أُمَّهاتِ الشُّهداءْ، ولنْ تَرْكَعَ، لنْ تُهادِنَ، ولَنْ تُساوِمَ على مصيرِها وجُذورِها. وَنَحْنُ مَعَها، لأنَّهَا شِعارُنا، ورَمْزُ إبائِنَا وكَرامتِنا، ومَهْمَا تَجَرأتْ عليها القراراتُ الواهيةْ، ومهما تناصَرَ لِخُنُوعِها ضعفاءُ، جبناءُ، عابِرونْ، لنْ تَنْهَزِمَ، ولنْ تُمْحَى مِنَ التَّاريخِ والحاضِرِ والمستقبلْ.

    وإنَّ القرارَ الأميركيّ قدْ جاءَ مُخالِفاً لِكُلِّ الأعرافِ والمواثيقِ والقراراتِ الدوليةْ، ممَّا شكَّلَ استفزازاً للمشاعرِ القوميةِ والعربية، وبالتالي يُلْغي دَوْرَ الولاياتِ المتَّحدةِ الأميركيَّةْ، الرَّاعي لعمليةِ السَّلامِ في الشرقِ الأوسَط، كونَها أصْبَحَتْ طَرَفاً، وَلَمْ تَعُدْ مُؤهَّلةً لتَكُونَ وسيطاً في هذا المجالْ.

    أيُّها الزملاءُ الأحبَّاءُ،

    قراراتٌ كثيرةٌ صَدَرَتْ عَنْ مجلسِ الأمنِ الدوليّ، وعن الجمعيَّةِ العموميَّةِ للأُمَمِ المتَّحدة، وعنِ الأونيسكو، هلْ نَذْكُرُ مثلاً القرارَ رقم /194/، الذي صَدَرَ عام 1948، تصوَّروا وهوَ يُثْبِتُ حقَّ اللاجئينَ الفلسطينيين، في العودةِ إلى القدسِ وفي التَّعويض؟ أمْ نذكرُ القرارَ /181/ الذي قَسَّمَ فلسطين، لكنَّهُ وَضَعَ القدسَ تحتَ وصايةٍ دولية، وهوَ صدرَ أيضاً عام 1947! والقرارَ رقم /3379/ الذي يعتبرُ الصهيونيَّةَ إبنةَ العنصريَّة! أمْ هل نَذْكُرُ قراراتِ الأونيسكو وقد صَدَرَ الحديثُ منها هذه السَّنةَ، تصديقاً للقراراتِ السَّابقةِ بخصوصِ القُدْس.

    عشراتُ القراراتِ تَدينُ الإعتداءاتِ الإسرائيليَّةَ والإستيطانَ وتغييرَ مَعَالِمِ القُدْس، وماذا بعد؟!

    أُؤكِّدُ لكمْ أيُّها السَّادةْ،

    إنَّ القرارَ قرارُنا نحنُ، نحنُ العربَ مسيحيّينَ ومسلمينَ، نحنُ الذينَ نُحَرِّرُ القدسَ وفلسطين، لا ينفعُ الصراخُ والعويلُ، ولا البكاءُ والنُّواحُ، ولا الإستكانةُ والرُّضوخُ، ما يُجدي ويُثْمِرُ، هو اتِّخاذُ قراراتٍ ومواقِفَ وإجراءاتٍ عمليَّةٍ فاعلةٍ جريئةٍ سريعة، تَهُزُّ المجتمعَ الدُّوليَّ بأسْرِهِ، وتدفعهُ إلى تحريرِ القدس وحمايتها، بعدَ قرارِ رئيسِ الولايات المتَّحدةِ الأميركية، دونالد ترامب، بالاعترافِ بالقدس عاصمةً للكيانِ الصِّهيونيِّ المصطنع.

    وهذا لَنْ يتحقَّقَ إلاَّ بما يلي:

أوَّلاً: التَّوقُفُ الفوري والكاملُ لسلطاتِ الدولِ العربيةِ وللفلسطينينَ، عن مخاصمةِ بعضِهم بعضاً، وتفرُّقهم وتناحُرِهم وتنافُرِهِمْ، ألم يَقُلْ القرآنُ الكريم في سورة الرُّوم الآية /32/:

"مِنَ الذينَ فرَّقوا دينَهُمْ وكانوا شِيَعاً، كُلُّ حزبٍ بما لديهم فرِحون".

فإذا تفرَّقَ المسيحيُّونْ، وتنابذَ المسلمونْ، واختلفَ العربُ والمؤمنونْ، فإلى أيِّ كارثةٍ نحنُ سائرونْ؟!...

ثانياً: تحرُّكُ الفعاليَّات، مِنْ نقاباتٍ وجمعيَّاتٍ ومجالِسَ ونوادٍ ومؤسَّساتٍ وطاقاتٍ، وشعراء وفنانينَ ومفكرينَ، ورجالِ دين، في كلِّ وطنِ عربيٍّ، كيَ تقومَ بالتنسيقِ فيما بينها، وبالتَّالي بالتَّواصُلِ معَ أخواتِها في الدولِ العربيَّةِ جميعها، لاتخاذِ مواقِفَ وإجراءاتٍ مِنْ اعتصاماتٍ وبياناتٍ ومظاهرات، والقيامِ بالاتصالات مَعَ مثيلاتِها في العالم.

ثالثاً: إحياءُ المقاطعةِ العربيَّةِ الحقيقيةِ للكيانِ الصِّهيونيّ ومنتجاتِه.   

رابعاً: إبداعُ مقاطعةٍ عربيةٍ جدِّيَّةٍ للمنتجاتِ الأميركيَّة.  

خامساً: وقفُ إمدادِ الولايات المتَّحدة الأميركيَّةِ بالنفط ومنتجاتِه. 

سادساً: إعلانُ الدُّولِ العربيَّةِ وقفَ عمليةِ السَّلامِ المزعومة.

سابعاً: إنهاءُ التَّبادلِ الديبلوماسيّ بينَ بعضِ الدولِ العربيةِ والكيان الصّهيونيّ.

ثامناً: سَحْبُ السفراءِ العَرَبِ مِنَ الولاياتِ المتَّحدةِ الأميركية وطَرْدُ  سفرائِها مِنْ دُوَلِنا.

تاسعاً: اللُّجوءُ إلى مجلسِ الأمنِ الدولي والجمعيَّة العموميَّةِ ومنظمة الأونيسكو لتحريرِ القدس.

عاشراً: العملُ الدَّائِمُ معَ الدولِ الصديقةِ لاتخاذِ المواقِف والقراراتِ والإجراءاتِ المتوازيةِ معَ ما نقومُ بهِ.    

أحد عشر: تجنيدُ وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ للقيامِ بحملاتٍ مكثَّفةٍ في دولِ العالمِ كلِّه لانقاذِ القدس.

إثنا عشر: التأكيدُ على أنَّ القدسَ مهدُ الدِّياناتِ السَّماوية، اليهودية والمسيحية والإسلام، وأنَّ القدسَ ليست قضيةً طائفيةً ولا مذهبيةً ولا عُنصريةً، إنَّها مدينةٌ وقضية إلهيَّةُ، لأنَّ القدسَ مقدسيةٌ مقدَّسةٌ، وهي قضيَّةٌ إنسانيَّةٌ عالميةٌ عربيةُ الهويَّة.

إنَّ كُلَّ منْ يُساهِمُ في إظهارِ قضيَّة القدس على أنَّها قضيَّةٌ فلسطينيَّةٌ عربيَّةٌ إسلاميَّةٌ فقط هو متآمرٌ أو جاهِلٌ أو متجاهِلٌ ويُشارِكُ في تشويهِ مكانةِ القدس وإضاعتِها.   

ثالث عشر: وما يدعمُ ذلك كُلَّهُ، وما يجبُ أن ندعمهُ نحنُ هو ثورةٌ فلسطينيَّةٌ كبرى وليست انتفاضةً فحسب، بجميعِ الوسائلِ المتاحةِ على أرضِ فلسطين، لأنَّ الكيانَ الإسرائيليَّ المصطنعَ واهٍ كخيوطِ العنكبوت، إذا كُنَّا نحنُ أُمَّةً لا تُذَلُّ ولا تموتُ.

رابع عشر: تقديمُ شكوى لدى محكمةِ العدلِ الدوليةِ الغَرَضُ منها وقف تنفيذ القرار الأميركي وإبطاله".