محاضرة نقيب المحامين عبد الله الشامي في ندوة مكافحة تمويل الإرهاب المنعقدة في الكويت

   شارك نقيب المحامين في طرابلس الأستاذ عبد الله الشامي مع وفد نقابي في أعمال المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، في دورته الثانية لعام 2017، المنعقد في دولة الكويت الشقيقة، تحت عنوان "المصالحة والمصارحة العربية العربية جسر لازم لوطن عربي خال من الإرهاب"، وذلك برعاية رئيس مجلس الوزراء الكويتي سمو الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح، وبحضور معالي وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الأُمَّة الكويتي الدكتور فالح عبد الله العزب، وبمشاركة تسع عشر دولة.
   بدأت أعمال المؤتمر بتلاوة ومناقشة تقرير الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب، تلاها مداخلات عدَّة من قبل المشاركين.

   من ثم نظِّمت ندوة تحت عنوان مكافحة تمويل الإرهاب، ترأست أعمال هذه الندوة جمعية المحامين الكويتية، تحت شعار "المصالحة والمصارحة العربية – العربية جسر لازم لوطن عربي خال من الارهاب"، وطرحت السؤال الأهم "ما تعريف الارهاب؟"، فكان العنوان العريض للندوة، حسب ما ذكر عريفها، الذي شدَّد على ضرورة توحيد الصف العربي في مواجهة الإرهاب، مؤكِّداً على أنَّ المصالحة تستوجب المصارحة، ولا يعني أن نقطع أرحامنا.

   بدوره حاضر نقيب المحامين في طرابلس النقيب عبد الله الشامي في هذه الندوة، وأحدثت محاضرته صَدًى مدوياً وتَأْثِيراً بَالِغاً فِي نُفُوسِ الحَاضِرِينَ، وفي ما يلي نص المحاضرة:

“   أيُّها السادة الحضور،

   أودُّ بدايةً، وقبل تلاوة كَلِمَتي أنْ أذكِّرَ مكتبكم الموقَّر، لعلَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين، بما سَبَقَ وتقدَّمنا بِهِ كورقة عمل مشتركة مَعَ الزميلة نقابة المحامين في بيروت خلالَ انعقادِ المكتبِ الدائم في البحرين، وما تضمَّنَتْهُ مِنْ مطالِبَ تَتَعَلَّقُ بتعديلِ النِّظام الداخلي للاتحاد وذلك لإدخالِ نِظَامِهِ في العصرنة الإلكترونية بهدفِ تسريعِ متابعتهِ لقضايا النقابات المنتمية إليه، وخاصَّةً بما يتعلَّقُ مِنْهُ بالتصويتِ على القرارات أَوْ بإنتخابِ أميناً عاماً وأعضاء المكتب الدائِم والأُمناء المساعدينَ المُمَثِّلينَ لنقاباتهم، مُتَمَنِّينَ على مكتبكم تعيينَ المكانِ والزمانِ لانعقادِ مكتبٍ خاص يبحثُ بهذِهِ الورقة لإنجازِهَا في أقْرَبِ وقْتٍ مُمْكِنٍ تلبيةً لطُمُوحِ الأكثريَةِ الساحِقَةِ مِنَ المحامينَ في العالَمِ العربي. وفي حال عدم تلبية هذه الدعوة بالسرعة المطلوبة سوف يكونُ لنا موقف ربما يكون أحد خياراته تعليق عضويتنا في الإتحاد.

   أيُّها السادة،

   نُوَاجِهُ في عالَمِنَا العربي هذِهِ الأيَّام العواصِفَ والتَّحدِّياتِ، ويكادُ لا يَخْلُو قطرٌ عربيٌ مِنْ آثار وأخْطارٍ تُلْقي بأثْقَالِهَا على واقِعِ الأُمَّةِ العربيةِ ومُستقبلِها، وما ستتركُهُ من تداعياتٍ وعواقِبَ مصيرية وجودية.

   وكاتحادٍ للمُحامينَ العرب، إنَّنا معنيونَ لَيْسَ فَقَطْ بِشُؤونِنَا وهُمُومِنا المهنية، بَلْ ومِنِ بابِ المسؤوليَّةِ كروَّادٍ في صُنْعِ القرارات ذاتِ المنفعةِ العامَّةِ، نَحْنُ مؤتمنونَ على إعْلاءِ الصَّوْتِ المدوي ولعبِ الدورِ الفاعِلِ في إعادَةِ تَصويبِ المسارِ العربي العام مُواجهةً لمخَاطِرِ الأزماتِ العربيةِ المستجدة، وليسَ أهمُّها وأخطرُهَا مِنَ الإرْهَابِ الدَّخيلِ بِكُلِّ تداعيَّاتِهِ وصُوَرِهِ وإرْساءِ وحدةِ كُلِّ قطرٍ عربي وَوَضْعِ حدٍّ أَدْنَى مِنَ التنسيقِ بَيْنَ دولِ المجموعةِ العربيةِ.

 
  أيُّها السادةُ،

   بنَتيجَتهِ تعرَّضَتْ بَعْضُ البلْدانِ العربيةِ للتَّدميرِ والتَّهجيرِ وإعاقَةِ الإنْمَاءِ وَزَرْعِ التَّفرقَةِ حَيْثُ يُوجَدُ تَنَوُّعٌ إثني أَوْ عِرْقيٌّ أَوْ مَذْهَبِي، في حينَ كانَ التَّنَوُّعُ فيها مَصْدَرَ غِنى وتفاعُلٍ وبناءٍ للمُجْتمعِ والإنسان.

   وبالمقابل ماذا فَعَلْنا جميعاً لدَحْرِ هَذا الإرْهابِ الخارِجِ عَلى الأَدْيانِ والأعْرافِ والتَّاريخِ والحضارَةِ؟

   أيْنَ هِيَ الجامعةُ العربيةُ ومؤسَّساتُهَا؟

   أيْنَ هُمْ مُثَقَّفُو الأُمَّةِ ومُفَكِّروها وقِوَاهَا الحيَّة؟

   هل هُمْ في سُبَاتٍ عميقٍ لا مُبَرِّرَ لَهُ؟

   وثمَّةَ مَا يَتَطَلَّبُ حِواراً دائِماً لِمُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيات وتفنيدِ مَزَاعِم الإرهابيينَ وإسناداتِهِمْ الواهيةِ إلى أَدْيانٍ حَضَّتْ على الرَّحمةِ والأُخُوَّةِ والعَدَالَةِ.

   أَفَلَمْ يَقْرأ هؤلاء في النَّصِ القُرآني؟

   فلقد قالَ تَعَالَى: "وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ". (سورة الإنعام، الآية 151).

وقالَ تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا". (سورة المائدة، الآية 32).

   فَمَنْ أَبَاحَ لهؤلاء الإرهابيين قَتْلَ النَّفْسِ البشريةِ وابتداعَ أساليبِ الظُّلْمِ والقَهْرِ بِدُونِ وازِعٍ أو رادِعٍ؟

 
  أيُّها السادةُ،

   لَمْ يَعُدْ جائِزاً السُّكوتُ والتَّجَاهُلُ وتَرْكُ الأُمورِ عَلَى غاربِهَا، فنَحْنُ لَسْنا فريقاً في الصراعاتِ السِّياسيَّةِ، ولا في التَّناقُضاتِ بَيْنَ النُّظُمِ السياسيَّةِ أَوْ بَيْنَ كُلِّ نظامٍ ومُعَارَضَةٍ، ولكنَّنا معنيُّون بِوَضْعِ ثوابِتَ وحُدودٍ دُنْيَا تَصُونُ حُرِّيَّةَ الإنسانِ وحقوقَهُ وكرامَتَهُ وحمايَةَ الثروةِ الوطنيةِ، وتَوَخِّيَ العدالةِ الإجتماعيةِ، ولا سبيلَ إلى ذلِكَ إلاَّ بالحوارِ الدَّائِمِ لِكَيْ يكونَ لنا أوطانٌ نَنْتَمِي إليها ونَعْتَزُّ بهذا الإنتماء.

   إذْ تسودُ المنطقةَ العربيةَ، وبعضَ الدولِ الإسلاميةِ أَزْمَةٌ حقيقيةٌ وحالَةٌ مِنَ الفوضى العارِمةِ وعَدَم الإستقرار والفَلَتَان الأمني، مَّما دَفَعَ بالجماعات المسلَّحةِ إلى التكاثُرِ بسرعةٍ، والتي تتَّخِذُ العنفَ وسيلةً، وتَعْمَدُ إلى التصفيةِ الجسديةِ والقتلِ بأبشعِ صُوَرِهِ، متلطِّيةً بالثوبِ الدِّيني الفضفاضِ، زاعمةً أنَّها تُناضِلُ وتُجاهِدُ في سبيلِ الله لإعلاءِ كلمة الدين والدِّفاع ضد أعدائِهِ.

   وإنَّ الفكرَ الديني المتشدِّدِ والمُتطرِّفِ على أيدي المُتاجرينَ بالدينِ يَهْدِمُ الأهْدافَ الساميةِ للرسالاتِ السماويةِ، ويُسَبِّبُ الويلَ للبشريةِ.

   وأحسنَ الفيلسوف اللُّبناني جبران خليل جبران عندما قالَ:

   "توقَّفوا عَنْ الدِّفاعِ عَنِ الله بقَتْلِ الإنسان، ودافعوا عَنْ الإنسان كَيْ يتمكَّنَ مِنَ التَّعَرُّفِ إلى الله".

   ومَعَ الأسَفِ الشديدِ، فقَدْ تمكَّنَتْ المجموعاتُ الإرهابيةُ المُسَلَّحَةُ التي رَكِبَتْ قِطارَ الدِّينِ، مِنْ استِقْطَابِ العَديدِ مِنَ الشبابِ المتهوِّرِ والمُتَعَصِّبِ دينياً، وهؤلاء كالفراشَةِ تَسْعَى إلى مَصْدَرَ النُّورِ وتَسْتَمِرُّ بالدورانِ حَوْلَهُ حتَّى تَحْتَرِقَ.

   رأيتُ مِنْ واجبي كمسيحي في هذا الشرق توضيحَ مَوْقِفِ الإسْلامِ مِنَ القتلِ والإرْهَابِ فهوَ واضِحٌ بالأدلَّةِ القاطِعَةِ والبراهينِ الصريحةِ والواضِحَةِ، لأنَّهُ حَرَّمَ قَتْلَ النَّفسِ وقَتْلَ البريءِ أيًّا كانَ مذهبه أو دينه، وذلكَ مِنْ أَجْلِ وَضْعِ حَدٍّ للتطاوُلِ على دينٍ اسمُه مُشتقٌ مِنَ السلامِ، وتحيَّةُ المؤمِن فيهِ "السلامُ عليكُمْ".

   إنَّ الإعتداءَ الذي قامَتْ به المجموعاتُ المسلَّحةُ على غَيْرِ المسلمينَ، كما حَصَلَ مَعْ الأزيديينَ في العِراقِ، والأشوريينَ في سوريا، والأقباطِ المصريينَ في ليبيا، يُشكِّلُ مخالفةً لأَحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ التي تركَتْ للإنسانِ حُرِّيَّةَ اختيارِ دينِهِ.

   وقد جاءَ الإسلامُ وكانَتْ اليهوديةُ والمسيحيةُ والوثنيةُ قائِمَةً وموجودَةً، ونَشَرَ رِسالَتَهُ وتعاليمَهُ بينَ جميعِ الناس، فمنهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، ومنهُمْ مَنْ رَفَضَ واستمرَّ على عقيدَتِهِ، ومع ذلكَ لَمْ يتعرَّضْ الإسلامُ لهؤلاء بالأذى ولَمْ يُجْبِرْهُمْ على تغييرِ دينِهِمْ أو اعتناقِ دينِ الإسْلامِ بالإكْراه، إذْ آمَنَ أنَّ الإيمانَ والإعتِقادَ بالله يَجِبْ أَنْ يَتَأتَّى عَنْ إرادةٍ حُرَّةٍ واعِيَةٍ وعَقْلٍ مُنْفَتِحٍ وتفكيرٍ سليمٍ.

   فإذا كانَ الخالِقُ قَدْ تَرَكَ للإنْسانِ حُرِّيَّةَ الاعتقادِ والإيمانِ واحْتَفَظَ لِنَفْسِهِ وبِيَدِهِ وحده سُلْطَةَ الحسابِ والعِقَابِ، فكيفَ يحقُّ للإنسانِ أنْ يُعاقِبَ الآخَرَ، ويَهْدُرَ دَمَهُ بَسَبَبِ عقيدتِهِ أَوْ فِكْرِهِ أو إنتمائِهِ أو اتخاذهِ رهينةً كَوَسيلةِ ضَغْطٍ لتحقيقِ مَطَالِبَ غالباً ما تَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ.

   وإنَّ ثمَّةَ أسئلةٍ تَطْرَحُ نفسها:

   هَلْ قَتْلُ الأسرى المُختطفينِ منَ الجيشِ اللُّبناني ومعظمهم مِنْ أبناءِ الدينِ الإسلامي هُوَ في سبيلِ الله؟

   هَلْ تفجيرُ السياراتِ المفخَّخَةِ في الأحياءِ السكنيةِ الآمِنَةِ، وقَتْلُ الأبرياءِ هُوَ في سبيلِ الله؟

   وهَلْ الإعتداءُ على الجَوَامِعِ والأدْيِرَةِ والكنائِسِ ورجالِ الدينِ هو في سبيلِ الله؟

   والإعتداءُ هذا هوَ نقضٌ للعَهدِ الذي أعطاهُ أميرُ المؤمنينَ عمر بن الخطاب رضِيَ اللهُ عنهُ لأهلِ القدس حين قال:

   "لا تُسْكَنُ كنائسهِمْ ولا تُهْدَمُ، ولا يُنْتَقَصُ مِنْهَا ولا مِنْ حَيِّزِهَا وَلا مِنْ صليبِهِمْ ولا مِنْ شيءٍ مِنْ أمْوالِهِمْ، وَلا يُكْرَهُونَ عَلى دينِهِمْ، وَلا يُضَارُ أَحَدٌ منهم".

   وحينَ أَذَّنَ المؤَذِّنُ للصَّلاةِ وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ داخِلَ كنيسةِ القيامةِ مُجْتَمِعاً مَع رِجالِ الدِّينِ المسيحيينَ، خَرَجَ مُسْرِعاً لأَدَاءِ الصَّلاةِ خارِجِ حَرَمِ الكنيسةِ، وبَرَّرَ موقِفَهُ قائِلاً: لَوْ صلَّيْتُ داخِلَ الكنيسةِ لأخَذَهَا المُسْلِمونَ مِنْ بعدي، وقالوا هُنا صلَّى عُمَر.

   وهُنا نتساءَلُ هل هذِهِ المواقِفُ كانَتْ تخاذُلاً (لا سَمَحَ الله) أَمْ أنَّها تَطْبِيقٌ لأَحْكَامِ  الشريعةِ وفقاً لِحَقيقَتِهَا وإِنْسانِيَّتِهَا ومَرْمَاهَا ومقاصِدِهَا.

   وفي أقوالِ الرَّسول الأكرم ما يُؤكِّدُ حُرْمَةَ الدِّماءِ حَيْثُ يقولُ:

   "لزوال الدُّنيا وأهلِها أَهْوَنُ عِنْدَ الله مِنْ دَمِ إنسانٍ يُسْفكُ بغَيْرِ حَقّ".

   كما يولَدُ الإنسانُ مُسالِماً، مُحِبّاً للحياةِ، مُتَمَسِّكاً بِهَا، فالعُنْفُ ليسَ توأماً يُولَدُ ويَتَلازَمُ معهُ، وإنَّمَا يَكْتَسِبُهُ الإنْسانُ لاحِقاً مِنْ خلالِ مُعاشرتِهِ ومُخَالطتِهِ للغير، في الأُسرةِ والمدرسةِ والمجتمع.

   لذلـــك، فإنَّ القضاءَ على العُنْفِ والإرْهَابِ يَتَحَقَّقُ مِنْ خِلالِ إستِئْصَالِ أسبابِهِ وتخفيفِ مَنَابِعِهِ حيثُ تعودُ للإنسانِ حقوقه بحياةٍ طبيعيةٍ، ويَنْصَرِفُ لتدبيرِ شؤونِ حياتِهِ الخاصَّةِ.

   ويتمُّ إستئصالُ العُنْفِ عِنْدَ تحقيقِ الأُمورِ التاليةِ:

أوَّلاً:

أ.تحقيقُ العَدالةِ الإجتماعيَّةِ.

ب.تأمينُ فُرَصِ العَمَلِ للشبابِ لأنَّ البطالَةَ أُمُّ الشُّرورِ وطريقٌ مُعَبَّدٌ للإرْهَابِ.

ج.تحقيقُ العدالَةِ والمُساواةِ بينَ الجميع ورَفْع الظُّلْمِ.

د.تطبيقُ مبادِىء شُرْعَةِ حقوقِ الإنْسان.

ه.التَّمَسُّكُ بالتعاليمِ الدينيةِ وإحترام حُرِّيَّة المعتقد.

ثانياً: إلتزامُ الدول المُمَوِّلَة للإرهاب بالمُعاهداتِ الدوليةِ وميثاقِ الأُممِ المتحدةِ، وإمتناعها عَنْ تَمْويلِ المجموعاتِ الإرهابيةِ وتزويدِهَا بالسِّلاحِ وإيجادِ البيئَةِ الحَاضِنَة وَتَسْخِيرِ الإعْلامِ لِخِدْمَتِهَا.

ثالثاً: إلتزامُ الدول بمعيارِ العدالةِ الدوليةِ وعَدَم حماية المعتدي والدفاع عَنْهَ ومساعدته على ظُلْمِهِ في إحتلالِ أراضي الغَيْرِ بالقوَّةِ وتَهْجيرِ وتَشْريدِ السُّكان.

رابعاً: تأمينُ تداوُل السُّلطة ديمقراطياً للحُؤولِ دُونَ وُصولِ الأشخاصِ الذينَ يستعْمِلونَ العُنْفَ كوسيلةٍ للوصولِ إلى تحقيقِ طُموحاتِهِمْ في القيادةِ وإستلامِ السُّلطةِ والقضاءِ على المُبَرِّرات التي يتذرَّعُ بها هَؤلاء.

خامساً: إحترامُ حقوق الإنسان والحُرِّيَّات الأساسيَّة، واحترامُ الديمقراطية وسيادة القانون، لأنَّ أعْمَالَ ومُمارساتِ الإرْهَابِ بجميعِ أشكالِهِ ومَظاهِرِهِ تُعْتَبَرُ تقويضاً لحقوقِ الإنسانِ وتزعزُعِ الأمْنِ والإستقرارِ.

   وفي الأساس، نَشَأَتْ الأدْيانُ السَّماويةُ في عُمْقِ الوطَنِ العَرَبي، وانتَشَرَتْ في أصْقاعِ الأرْضِ لتُرْسي رِسَالةَ التَّوحيدِ والسَّلامِ والأُخُوَّةِ بَيْنَ البشر، وقدَّمَتْ نموذجاً حياً في العيشِ المُشترك إلى أنْ اغْتَصَبَتْ الصهيونيةُ أَرْضَ فلسطين، فقَلَبَتْ مَسَارَ التَّاريخ، وعَمَّمَتْ سياسات التَّفرقةِ والعُنْفِ والعَبَثِ بحقوقِ الإنسان، وانْعَكَسَ ذلك نُمُوّاً للحَرَكَات التَّكفيرية المتطرِّفَةَ التي عبَثَتْ بالأوْطانِ والحدودِ والإستقرار، وتَرَافَقَتْ مَعَ الصهيونية العالمية حتى باتا يُشَكِّلان تَحَدِّياً مصيرياً وجُودياً لا مَفَرَّ أمامَ أصحاب العقل والإرادة القومية السليمة من مواجهتهما.

   فكلُّ نقابةٍ في الوطنِ العربي مَعْنِيةٌ في هذِهِ المواجَهَةِ عَنْ طريقٍ نَشْرِ وتعميمِ ثقافَةِ الحوار والتلاقي ونَبْذِ العنف، وعلى الإتحاد أَنْ يَتَّخِذَ موقفاً لا يحتملُ الحيادية أو الإلتباس.

   وإنَّني وباسْمِ نقابة المحامين في طرابلس- لبنان أدعو اتحاد المحامين العربي إلى أخذِ المبادرة بالدعوى الى انعقادِ مؤتمر الحوار العربي، ودعوى كل المعنيين الى المشاركة، ليُصارَ مِنْ بعدِهِ إلى تحويلِ هذا المؤتمر إلى مؤسَّسةٍ دائمةٍ فاعِلةٍ وحاضرةٍ في صِنَاعَةِ الغَد العربي الذي نتطلَّعُ إليه جميعاً.

   وأخيراً ولَيْسَ آخِراً، إنَّ الرَّبيعَ العربي أَمْسَى شتاءً عاصِفاً وزلزالاً مُدَمِّراً قَضَى على الحجرِ والبشر، ومَتى لهذا الشتاء أنْ يَنْقَضي عَنْ سمائِنَا، وأن تعودَ أرضُنَا إلى الصَّفاءِ والسَّلامِ، وإلى حينِهِ نُعْلِي الصَّوتَ مِنْ على هذا المنبَرِ أنَّنَا أُمَّةٌ واحِدةٌ إيمانُنَا واحِدٌ، مَصِيرُنَا مُشتركٌ، وشَوْقُنَا إلى الخَيْرِ سَعْيٌ لا يَتْعَبُ، وأنَّ مهنةَ المحاماةِ ستَبْقَى الرَّائِدَ الأَوْفَى في مُناصَرةِ حقوقِ الفردِ والمجتمعِ والدولة، فهيَّا أيُّها الزملاءُ إلى مُحاسبةِ الذاتِ وإستِخْلاصِ العِبَرِ، وإلى قِيَامِ اتحادٍ للمُحامينَ يَنْسُجُ ثوباً تَسْتَوي بِهِ أَجْسَادُنَا، في حينِ أَمْسَتْ الأثوابُ التي خاطَتْهَا لَنا أُمَّهاتُنا هَرِمَةً وغير متناسبةٍ مَعَ هاماتِنَا وقاماتِنَا التي يَتَطَلَّعُ إليها كُلُّ مُؤمِنٍ بالحُرِّيَّةِ والعدالةِ والقضاء ورسالةِ المحاماة في عَالَمِنَا العربي.

   وَخِتَاماً، لِتَكُنْ المحبَّة بَحْراً يَتَمَاوَجُ على شواطِىءِ أنفسكم، لأنَّها الْجِسْرُ الحقيقي الذي يَرْبِطُ الأقطارَ العربيَّةَ بَعْضَهَا بالبَعْضِ الآخرْ، وعليه فإنِّي أُؤمِّنُ بِهَا إيماني باللهْ.

   أُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأَدْيانِ المُنْزَلَةِ نَدى وبَلْسَماً عَلَى العِطَاشِ إلى اللهْ، الجياعِ إلى رَحْمَتِهِ وغُفْرَانِهِ.

   أُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأَنْبِياءِ المُرسلينَ هِدَايَةً للنَّاسِ، لِيُرْشِدَهُمْ إلى الطريقِ، طريقِ الخَلاصِ، طريقِ السَّماءِ.

   أُؤْمِنُ بالكَلِمَةِ بِفَعَالِيَّتِهَا عُمْقاً وصُعُداً.

   أُؤْمِنُ بأنَّ الأَدْيانَ السماويةَ جميعَهَا أُنْزِلَتْ بالكلمة.
   بِها خَاطَبَ الخَالِقُ مَخْلُوقَاتِهِ،

   وبِها رَفَعَتْ المخلوقَاتُ صَلَوَاتِهَا إليهِ.

   بِهَا يُسَبَّحُ بِحَمْدِ اللهْ، وَبِهَا يُجَدَّفُ عَلى اسْمِ اللهْ.

   نارٌ هيَ تُحْرِقُ وتُمِيتُ، حِينَ تُفْلِتُ مِنْ قَلْبٍ أَبْغَضَ فَحَقَدَ. وماءُ زَهْرٍ هِيَ، تُنْعِشُ وتُحْي حِينَ تَنْهَمِرُ مِنْ قَلْبٍ أَحَبَّ فَعَطَفَ.

   وأَتَمَنَّاهَا عَبِيرَ وَرْدٍ وياسَمِينْ، مَرْجَاً بالأزهارِ يَمُوجُ.

   أخي، أَنْتَ ربُّكَ ربِّي، سَمَاؤُنَا وَاحِدَةٌ، فهَلُمَّ نَمْضِي في طريقِ الحَقِّ، نَثُـورُ عَلَى المُتَاجِرِينَ باللهْ، نُحَطِّمُ قُيُوداً، نَبْني أُمَّةً، ونُنْشِىءُ أَوْطَاناً.

   عشتُم، عاشَ الإتحاد، وعاشَتْ الكويت".

في ختام المؤتمر، إلتقى النقيب عبد الله الشامي برفقة بعض النقباء العرب الأمير الكويتي في الديوان الأميري، سمو الشيخ  جابر المبارك الحمد الصباح.



أعقب هذا اللِّقاء، زيارة لرئيس مجلس الوزراء الكويتي.



ومن بعدها، قام الوفد النقابي بزيارة جمعية المحامين الكويتية، حيث قدَّم النقيب الشامي درع نقابة المحامين في طرابلس للأمين العام لاتحاد المحامين العرب الفائز في الإنتخابات النقيب ناصر الكريوين، ودرعاً آخراً للنقيب شريان الشريان الذي حلَّ محله.