كلمة النقيب الشامي في توقيع كتاب للأب شاهين


أحتارُ أيَّةَ مفردةٍ أختارُ لأُخاطِبَكَ بِهَا.

أَأُسَمِّيكَ أخي، رفيقَ دربي، زميلي في دِرَاسةِ القانون، أَمْ أَبَتِي المُجَاهِدِ في حَقْلِ الرَّبْ.

ولو تَرَكْتُ لِمُحِبِّيكَ الخيارَ في تَسميتِكْ لأشاروا عليَّ بِدَعْوتِكْ أبونا إبراهيمْ.


أيُّها الصَديقُ،

لَوْ أَْدْرَكْنَا ما أَقْصَرَ الزمنِ بَيْنَ الطفولَةِ والرُّجولَةِ،

بَيْنَ رياحِ كانونْ، وسَهَرِ الموقِدَةْ وسَمَرِ الأصحابْ،

وبَيْنَ طُمُوحِ الشبابْ وسَعْيِ الحياةْ،

لتأكَدْنا أنَّ الماضِيَ والحاضِرَ تَجْمَعُهُمَا فَقَطْ الذكريات،

وَلَوْ قُدِّرَ لي أَنْ أَعُودَ طِفْلاً عَلَى مَسْرَحِ الحياةْ،

لاخْتَرْتُ مَعْشَرَ الصِبَا، وخُبْزَ التنورِ وسِنْدْيَانَةِ الكنيسةْ،

إلاَّ أَنَّ العُمْرَ يمْضي بنا ونَحْنُ نُسَابِقُهُ، نُلَمْلِمُ مَتَاعَنَا، وَنَنْزَعُ عنَّا مَتاعِبَنَا.

    فَنَرَى لِزاماً علينا أَنْ نُدَوِّنَ لِلْسَلَفِ حِكَاياتِ جِهَادِنا في الحياةْ، وليْسَ أَحَبّ على العالِمِ مِنْ توثيقِ عِلْمِهِ خِدْمَةً للأجْيالِ، وكيْفَ إذا كانَ هَذَا العَالِمُ مِنْ قامَةِ أبونا إبراهيم، وهو التلميذُ السَّاعي في تَدَرُّجِ المواقِعِ لِيَمْسِيَ عَامُوداً متيناً مِنْ أعْمِدَةِ الكنيسةِ الأرثوذكسيَّةْ، ومِنْ أَبْرَزِ قُضاتِهَا الضالِعين في استِخْلاصِ الأحْكَامِ العادِلَةِ والمَدْرُوسَةِ لتُقَدَّمَ على مائِدَةِ القانونِ والإجتِهادِ خِدْمَةً لأَبْناءِ الإيمانِ.

    وفي سبيلِ المعرفةِ والعِلْمِ وَثَّقَ أبونا إبراهيم حَقَبَةً مِنْ نِتَاجِ خِبرتِهِ وأَحْكَامِهِ الكنسيةِ في خمسةِ أجزاءٍ مِنْ كتابِ تحتَ عُنوان "أنتَ والقانونْ"، آخرها الجزء الخامس الذي نشهَدُ الآنَ على توقيعِه.

    فالكاتِبُ واثِقٌ مِنْ نَفْسِهِ، إلى حَدِّ أنَّ الوِلادَةَ جاءَتْ كامِلَةً مُتَكامِلَةً، لأنَّ الثقةَ في النفس تَجْعَلُ مِنَ العُصْفُورِ صَقْراً، ومِنَ الزهْرَةِ حَقْلاً، ومِنَ الحُلُمِ حقيقةً.

    ولا يَخْفَى عَلَيْكُمْ أيُّها السادَةُ، أنَّ "في القانونْ" رَمْزَ العدالَةِ ميزانٌ، وسِرَّ النجاحِ كِتَابٌ، وأنَّ الأُمَّةَ التي حَكَمَتْ وسيْطَرَتْ وَنَشَرَتْ لُغَتَها وحَضَارَتَها، أُمَّةٌ تَرْفُضُ الخُضُوعَ والذِلَّ، وتَأْبَى الجَهَالَةَ، وتَطْلُبُ العِلْمَ ولَوْ في الصينْ.

    فالقانوني النَّاضِجُ باستِنادِهِ إلى كِتَابِ "القانونْ"، يَكُونُ قَدْ اسْتَشَارَ كِبَارَ الفُقَهَاءِ والعُلَمَاءِ، وأَشْرَكَ في إعْدَادِ دَعْواه ولَوائِحِهِ أَهْلَ المعرفَةِ والدِرَايةِ، فكيفَ إذا كانَ كِتَابُ القانونْ مِن حَجْمِ "أنْتَ والقانونْ"، للأَبِ، والكاتِبِ، والمُفَكِّرِ، إبراهيم شاهين، لأنَّ كتابَتَهُ كانَتْ فناً ورِسَالةً وليْسَتْ صِنَاعَةً.

    فيا أيُّها العالِمُ، أنْتَ واحِدٌ مِنْ رِجَالاتٍ تَقَدَّموا رُوَيْداً في سُلَّمِ المجتمع، ووَهَبْتَ ذاتَكَ وحياتَكَ، وعَقَدْتَ العَزْمَ على صيانةِ ضميرِكَ البشري واللاهوتي خِدْمَةً للإنسانِ والكنيسةِ والوَطَنْ، وكتابُكَ هذا سَيَظَلُّ سِرَاجاً مُنيراً لقَاعَاتِ المحاكِمِ، للقُضاةِ، للمُحامين، ولِلْمُتَبَارِزينَ على قوسِ المحكمة نصرةً للحق والعدالة.

    فإلى مزيدٍ من العطاءِ والكتابَةِ، في زمنِ عَوْلمةِ التَّواصُلِ الإجتماعي الذي تُبَعْثِرُ رياحُهُ الهوجاءُ العائِلَةَ والزواجْ، وتُمَزِّقُ كُتُبَ الدَّارسينَ والباحثينْ، وتُحَوِّلُ مَسَارَ الحياةِ في غَيْرِ مُبْتَغى الإيمانْ، فها أجزاؤك الخمسْ تُحمِّلُكَ مسؤوليَّةَ مُتَابَعَةِ النضالِ في هذا المجال، فمبارَكٌ للمُهْتَّمينَ مِنْ مُحامينَ وقُضاة هذا الكتاب.  

    فهَيَّا إِنْهَلُوا أيُّها المتعطِّشونَ مِنْ نَبْعِهِ الصافي، مِنْ فكرِه الوفي لِسِرِّ الزواج، ولقَدَاسَةِ العائِلَةْ.

    شكراً أبونا إبراهيم لِدَعْوَتِكَ لَنَا، وعلى أَمَلِ أنْ نَلْتَقي معاً سنوياً في دَعْوَةٍ مماثلة، نحنُ بانتظاركم.

عِشْتُمْ، وعَاشَ لبنان.

نقيب المحامين في طرابلس
عبد الله الشامي