كلمة النقيب عبد الله الشامي في مؤتمر بعنوان: تحدِّيات المرأة في القانون والمجتمع: واقع ومرتجى

    معالي الوزير،

    الحضورُ الكريم،

    النقابةُ إسْمٌ مُؤنَّثٌ لحالةٍ اجتماعيَّةٍ تَحْتَضِنُ في أَحْشَائِهَا أَشْبَالاً يَنْطَلِقونَ في مُعْتَرَكِ الحياة، كما تَتَكَرَّرُ عمليَّةُ الخَلْقِ في أحشاءِ الأُمَّهاتِ، وهي مَصْدرٌ للإستمرارية والحياة.

    النقابةُ والمرأةُ مَثَلٌ واحِدٌ لمسيرةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ والحياةِ انْطَلَقَتْ وَلَنْ تَتَوقََّفَ.

وفي هذه الدار التي هِيَ حاضِنُ الحُرِّيَّةِ والحَقِّ والعَدالةِ، فيها الرجالُ كما النساءُ المحاميات.

    إنَّ تحدِّياتِ المرأةِ في القانونِ والمجتمعْ، هِيَ عَقَباتٌ تتََالَتْ مَعَ الزمنِ، بقَسَاوةٍ ومَرارةٍ، حتَّى تَسَنَّى لَهَا أَنْ تَعْبُرَ هذِهِ المضيقاتْ، إلى ضَفَّةِ الإنعتاقِ مِنَ التَّبعيَّةِ والمَرْجَعِيةِ والإرتباطْ، التي كانَت تُلْزِمُها وفقاً لحالاتٍ اجتماعيَّةٍ أو قانونيَّةٍ تَمْنَعُ عنها الإنطلاقَ نَحْوَ حُرِّيَّةٍ واثِقَةٍ ومَوْضُوعيةٍ وضَامِنَةٍ لَحَالِها وَمَوْقِعهَا ولتأثيراتِهَا في المجتمع.

    أيُّها السادةُ،

    اعذروني، إنْ عبَّرْتُ عَنْ ضُعْفي تجاهَ المرأةِ كُلَّما اقْتَضَى الحديثُ عنها.

    فالمرأةُ هِيَ الأُمُّ، ويا حبذا لو يستطيعُ كُلٌّ منَّا أَنْ يُعيدَ إلى ذاكرتِهِ، أَوْ أَنْ يَتَعَرَّفَ إلى مَشَاعِرِ أُمِّهِ نحوَهُ عندما كان طِفْلاً أَوْ شاباً أَوْ رجلاً، أو ضعيفاً مَريضاً، متعثِّراً، أَوْ إليهِ وهُوَ يَدْحَرُ العقباتِ مِنْ أمامِهِ، يُبَدِّدُ المصاعِبَ، يَرْتَمِي في الحياةِ ويُحَقِّقُ النجاحاتْ.

    أيُّها السادةُ،

    المرأةُ هِيَ الأُمُّ، هِيَ الشقيقةُ، هِيَ الزوجةُ، الرفيقةُ وشَريكَةُ العُمْرِ، وهيَ الإبنةُ الحَنُونَةُ الشغوفةُ بِحُبِّ وَالِدِها.

    وإذا ما عُرِفَتْ المرأةُ بسُمُوِّ وظيفتِها الإنسانيَّةِ، وارْتَفَعَتْ في مقامِها، وانْتَهَى مَأزِقُ إخْضَاعِهَا، وإضْعَافِها مِنَ الرَّجلِ، أَمْسَتْ بِدُونِ تَحَدِّياتٍ، فكُلَّما ازْدادَ احْتِرامُ الرَّجلِ وتقديرُهُ، ومعرفتُهُ بالمرأةِ، إخْتَفَى عَنْ ناظريْها واقِعُ التحدِّيات، والسَّعي إلى قانونٍ يَحْمِيها، يُنَاصِرُها، يَمْنَعُ تعنيفَها، يُقَدِّمُ إليها الوظائف والاحترامَ والثِّقةَ بالنفس، وهذا مِنْ أَبْسَطِ حقوقِهَا.

    إذاً التحدِّياتُ هِيَ تَقَاسُمُ قَرارٍ بَيْنَ سُلْطَةِ الرَّجُلِ وقُوَّةِ القانون، والمرأةُ في وَطَنِنَا الحبيبِ لُبْنَانَ، هيَ امْرأةٌ عامِلَةٌ مُنْتِجَِةٌ، تَتَدَرَّجُ في الوظيفةِ، وتَسْعَى إلى الخَيْرِ، وتَحْكُمُ في الحَقِّ بِعَدَالةٍ، وتَتَوَلَّى السُّلْطةَ، وهي امْرأةٌ غَيْرُ مُنْطَويةٍ على ذاتِهَا، وغيرُ مُنْضَوِيَةٍ في بوتَقَةٍ واحِدَةٍ، والمجتمعُ في لبنانَ والخارِجِ، يَرْتَاحُ لحالِهَا، وواقِعِهَا المُتَصَاعِدِ، في صُورَةِ الوَطنِ ومُرْتَجَاه.

    إنَّ الواقِعَ أَمْسَى يتعامَلُ مَعَ المرأةِ، بأَمَلٍ كبيرٍ، بأنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ إمْرأةٍ سيِّدةِ مَنْزِلٍ وَرَبَّةِ عائِلَةٍ، وشَريكَةِ عُمْرٍ، إلى سيِّدةِ مُجْتَمَعٍ، وصاحِبَةِ سُلْطَةٍ، ورائِدَةِ كلمةٍ تَقُودُ وتُغَيِّرُ وتُفَعِّلُ عَمَلَ الخَيْرِ في الإنسانيَّةِ.

    ولا يغيبُ عَنْ ذهني أَنْ أَتَوَقَّفَ بَيْنَ واقِعِ المرأةِ في مَا مَضَى، وحالُهَا اليوم، وما سَيَتَأتَّى مِنْ تَطَوُّرٍ وتَفَاعُلٍ في المُسْتَقْبَلِ.

    فواقِعُهَا اليوم أَفْضَلُ بكثيرٍ مِمَّا كانَ عليه في ما مَضَى، والمُرْتَجَى سيكونُ أَفْضَلُ.

    في ما مَضَى لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ القَرار، اليومَ هِيَ في صُلْبِهِ، وقد تَكُونُ غداً هِيَ القرار بذاتِهِ.

    وما مُسَمَّى الكوتا النِّسائيَّةِ، إلاَّ حالةُ تَنَازُعٍ في المجتمعِ، أَصَابَتْ المُشَرِّع، في إِصْدَارِ قانونٍ، يُحَوِّلُ المُرْتَجَى إلى حَقيقةٍ قانونيَّةٍ دستوريَّةٍ، في اعْتِبَارِ المرأةِ شريكةٌ أساسيَّةٌ لتَوازُنِ قُوَّةِ الإندفاعِ في استقرارِ المجتمعِ. والكوتا تُشَكِّلُ تدخُّلاً إيجابياً لتحقيقِ المُساواةِ والتقليلِ مِنَ التَّمييزِ بَيْنَ فِئاتِ المجتمعِ المختلفةِ وخصوصًا بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.

    وقد قيلَ سابِقاً المرأةُ نِصْفُ المجتمعِ، المرأةُ نِصْفُ الرجُلِ، فكيفَ لا يَتَنَاغَمُ ويَتَلازمُ هذان النصفانِ في جَسَدِ الوطنِ الواحِدِ، وفيهِ نَجَاحُ المجتمعِ وقِيامَةُ الدولةِ والمؤسَّساتْ.

    ولا يفوتني أَنْ أُهَنِّىءَ النِّساءِ العَامِلاتِ على نَجَاحِهِن، في كُلِّ وَظيفةٍ تُسْنَدُ إليهن، بَدْءاً مِنَ السيِّداتِ القُضاة، إلى المحاميات، إلى الموظفات في هذِهِ المؤسَّسة. 

    قَرأنا وَسَمِعْنَا بالأمْسِ أبْواقاً تَنْفُخُ في الهواء، وطُبولاً صَوْتُها عالي، وقَلْبُها فارِغ، حِرْصاً منها على مصالِحِ الموقوفينَ والمُتداعينَ، نقولُ لهُمْ، إنَّ نقابةَ المحامينَ والقضاء هما خطُّ الدِّفاعِ الأوَّل عَنْ مصالِحِ الناسِ جميعاً، بما فيهمْ الموقوفينَ، ولا يُوَفِّرانِ جهداً في إحْقاقِ الحقِّ وتأمينِ العدالةِ بينَ الجميع، لأنَّنا نحنُ مَنْ نُكَافِحُ بالقلَمِ، ونُنَاضِلُ بالرأي، ونُجَاهِدُ بالمَوْقِفِ، نُصَارِحُ ولا نُمالىءُ، نَحْفَظُ الكَرامةَ، ونَصُونُ الحُرِّيَّةَ، ولا يُزايِدَن أَحَدٌ علينا، لأنَّ حِرْصَنَا بالِغٌ، ومَوْقِفَنا صارِمٌ، وعَدْلَنا قائِمٌ، نصيحتي لكُمْ لا تصطادونَ بالماءِ العَكِرِ بَعْدَ اليوم.

    عِشْتُمْ، عاشَتْ نقابَةُ المحامينْ، عَاشَ لُبْنَانْ.

نقيب المحامين في طرابلس
الأستاذ عبد الله الشامي