كلمة الأستاذة زهرة الجسر في مؤتمر بعنوان: تحدِّيات المرأة في القانون والمجتمع: واقع ومرتجى

    لأنَّهُ زمنُ التحدِّياتْ، ولأنَّها تَحَدَّتْ بقضيَّتِها العقولَ، وسُخْفَ الموروثِ الثقافي والإجتماعي، ولأنَّها تَحَدَّتْ نظرتَهَا لنفسِها، فقَدَّرَتْ ذاتَهَا ودَوْرَها ومكانَتَها في المجتمع، ولأنَّها وَعَتَ لحُقُوقِهَا ولِحَجْمِ قوَّتِها وطُموحَاتِها، ولأنَّها كامِلَةٌ متكاملةٌ، قادِرَةٌ أنْ تَصْنَعَ عالماً ودُنيا، قادِرةٌ أَنْ تَتَبَوأَ، أَرْفَعَ المراكِز، وأنْ تبني وَطناً وأجيالاً، ولأنَّ حضورَها يملاءُ المكانَ والزمانَ، ولأنَّهُ يُحْسَبُ لقِيَامِها ألفَ حسابٍ، نَلْتَقِي اليومَ حولَهَا، لأنَّ لا حياةَ تَسْتَقِيمُ بِدُونِها.

    هدفُنا الإضاءةُ على الشرخِ الكبيرِ الموجودِ في مجتمعِنا اللُّبناني بَيْنَ الوضعِ الثقافي للمرأةِ اللُّبنانيَّةِ، ووضعِها القانوني المُجْحِفِ.

    فاللُّبنانيَّةُ واقِعاً وثقافةً، أَثْبَتَتْ جدارَتَها وتميُّزَهَا، أَثْبَتَتْ قيمتَها ومكانَتَها.

    إنَّها الشريكةُ في هذا الوطنْ، ولا بُدَّ أنْ تكونَ الشريكةَ في مراكِز صُنْعِ القَرارِ في جميعِ الميادينِ.

    إنَّها الرِّياديةُ في الدِّفاعِ عَنْ الحقوقِ والحُرِّيَّاتِ.

    إنَّها الطاقةُ الكامنةُ وراءَ خَلْقِ نَواةِ المجتمعِ المدني، الذي يتألَّفُ من نقاباتٍ حُرَّةٍ، وجمعيَّاتٍ ومؤسَّساتٍ، تُعْنى بالشأنِ العام.

    إنَّها القِيَادِيةُ الفاعِلَةُ في أكثرِ المؤسَّساتِ السياسيَّةِ والاقتصاديةِ والمهنيةِ حتى في وُلوجِها القضاء،

    إنَّها بحقٍّ وجدارةٍ القاضي، رافِعَة رايةَ العدالةِ والإنصافِ، فكانَتْ للأمانةِ صَوْناً وعوناً، وكانت الحَكَمُ العدلُ.

    تَبَوأَتْ مراكِز قيلَ أنَّها للرجال، فأَثْبَتَتْ حكمةً ومسؤوليَّةً وإخلاصاً في العملِ، دونَ أنْ تَنْسَى دَوْرَهَا الأساسي في بِناءِ الأُسْرَةِ الصالِحَةِ والناجِحَةِ، ورغم كُلِّ ذلك، بَقِيَ العائِقُ التَّشريعي والقانوني مُسَلَّطاً على تقدُّمِها.

    فرغْمَ الإرادةِ القويَّةِ والمُطالبةِ المستمرَّةِ التي أنتجَتْ عام 2014، إقرارَ قانونِ حمايةِ النِّساءِ من العنفِ الأُسري، رغم ما تَخَلَّلَهُ مِنْ شوائِبَ في النَّصِّ والتطبيقِ، وأخيراً إلغاء المادة /522/ عقوبات التي تُعفي مُرتكبَ جُرْمِ الإغتصابِ مِنَ العقابِ في حالِ تزوَّج ضحيَّتَهُ، إلاَّ أنَّهُ يبقى هناكَ حالاتٍ كثيرةٍ لعنفٍ ظاهرٍ ومُتمادٍ يَجْتَاحُ مجتمعاتِنا، ويُطيحُ بمفاهيمِنا الدينيَّةِ والأخلاقيةِ القائمةِ على الإحترامِ والرَّحمةِ بالمرأة.

    فسُجِّلَتْ في السنواتِ الأخيرةِ حالاتِ قتلٍ وحشيٍّ لسيِّداتٍ لبنانيَّاتٍ دونَ أنْ يكونَ هُناكَ عِقَابٌ رادِعٌ لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ استخدامَ العنفِ وسلبِ الحقِّ بالحياة.

    ويبقى هناك نصوصٌ تمييزيَّةٌ جائِرَةٌ بحقِّ المرأةِ في قوانينِ العقوبات والعمل والضمان الإجتماعي والضريبة.

    ويبقى حلمُ المرأةِ اللُّبنانيةِ المتزوجةِ بأجنبي، بإقرارِ حقِّها الأساسي، بإعطاءِ الجنسيةِ لأولادِها، رغمَ الحجج والتبريراتِ الطائفيةِ والديمغرافيةِ الواهيَةِ.

    ويبقى احترامُ أنظمة الأحوال الشخصية، للُّبنانيين، على إختلافِ مِلَلِهِمْ، بما يَتَلاءَمُ والمفاهيم الدينية القائمة على إنصافِ واحترامِ المرأة، مَعَ المطالبةِ بالإصلاحِ القضائي، وتفعيلِ الدورِ الرقابي، على عملِ محاكِمِ الأحوالِ الشخصية المختصة، لما فيهِ خَيرٌ للأسرةِ والمجتمع.

    كما يبقى لدينا حفظ حق المرأةِ الإنساني والقانوني في تَبَوُّءِ المراكِز السياسيَّةِ والقياديةِ في الدولة عَبْرَ تشريعِ الكوتا النِّسائيةِ، وتخصيصِ مقاعد محفوظةٍ للنساء بقوَّةِ القانون في البرلمان.

    الكوتا التي أردناها تمييزاً إيجابياً، وحلاً مؤقَّتاً، تلجأُ إليهِ معظمُ المجتمعات والدولُ لتعزيزِ مشاركة المرأة في الحياةِ السياسيَّةِ والحياةِ العامَّة. وطالبنا باستخدامِهِ كحلٍّ مرحلي لضمانِ إيصالِ النِّساء إلى مواقِع التشريعِ وصناعةِ القرارِ، وذلك للحدِّ مِنْ إقصائِهن وضعفِ تمثيلِهن في البرلمان اللُّبناني.

    ورُغْمَ اعتزازِ تسجيلِنا للحكومةِ الجديدةِ، ولدولةِ الرئيس الشيخ سعد الحريري، الحريصِ كُلَّ الحرصِ على إعْطاءِ المرأةِ دورها الفاعِل، إنجازه إنشاء وزارة خاصَّة للمرأة، وهي وزارة الدولة لشؤون المرأة برئاسة راعي الإحتفال معالي الوزير جان أوغاسبيان، الذي ما انفك يُتَابِعُ قَضايا المرأة، بِكُلِّ نشاطٍ والتزامٍ، بكُلِّ صدقٍ وحرصٍ واهتمام.

    أقرَّ قانون الإنتخابات الجديد مُخَيِّباً لآمالِ النِّساءِ والشابات، جاءَ ليقولَ لا للكوتا النِّسائية، وليُكَرِّسَ النعم، نَعَمْ لنِظامِ لبنانَ القائِمِ على الكوتا المناطقيةِ، نَعَمْ للكوتا الحزبيَّةِ والسياسيَّةِ، نَعَمْ للكوتا الدينيَّةِ والمذهبيَّةِ.

    ونحنُ اليوم في نقابة المحامين في طرابلس، التي هي الحصنُ الحصينُ للدِّفاعِ عَنْ الحرِّيَّاتِ والحقوقِ المقدَّسةِ، وإرساءِ مفهومِ العدالةِ الإجتماعيةِ والقانونيَّةِ والدستوريَّةِ، وتكريسِ الديمقراطيةِ في المجتمعات.

    نحنُ اليوم بصددِ التأكيدِ على مطلبٍ حُقوقي أساسي في نهضةِ وارتقاءِ الوطن، مطلبُنا الإنصافُ القانوني للمرأةِ اللُّبنانيَّةِ، وندعو المرأةَ اللُّبنانيَّةَ إلى الإستمرارِ في ثَورتِها الدائمةِ، وفي تحرُّكِها الرَّاقي والضاغِطِ من أجلِ نُصْرَةِ قضيَّتِها المُحِقَّةِ.

        عشتُمْ، وعاشَتْ نقابةُ المحامينَ.

رئيسة لجنة الدِّفاع عن حقوق المرأة
الأستاذة زهرة الجسر