كلمة النقيب فهد مقدم في العشاء السنوي للمحامين

إنَّكُمْ في العشاء السَّنوي الثَّاني خِلالَ وِلايَتي لِنَقَابَةِ المُحامينَ في طرابلس، في يومِ المحامي، كُلَّ عامٍ وأنتُمْ بخير.

كان شعارُنا في السَّنَةِ المُنْصِرَمَةِ حينَ إلتَقَيْنَا في مِثْلِ هذا اليوم: "لن ينالوا مِنْكَ يا وطني"؛

أمَّا في هذا اللِّقاءِ، فقد اتَّخَذْنَا شِعَاراً مُتَساوِياً مَعَهُ وَهُوَ: "لن يَنَالُوا مِنْكِ يا نقابَتِي".

نقابَتُنَا، لَوْ مَددْنَا لَكِ العُمْرَ امْتِداداً وتَوالياً بإذْنِ الله طبعاً، لما اسْتَطَعْنَا أَنْ نَفيكِ جُزْءاً مِنْ حَقِّكِ عَلَيْنَا.

حَقُّكِ عَلَيْنَا أَنْ نزودَ عَنْكِ ونُضَحِّي في سَبيلِكِ، ونُقَدِّمَ إِلَيْكِ قلوباً مِنْ ذَهَبٍ، وعُقولاً مِنْ نُورٍ،

وَرِجالاتٍ مِنْ تاريخٍ، لِنَزيدَ مِنْ رِفْعَتِكِ ومَناعَتِكِ وسُمُوِّكِ، وأَنْ نُعَلِّيَ في بُنْيانِكِ مداميكَ عِلْمٍ وعُلَماءٍ، فَتَتَبَاهَى بِكِ الأجْيَالُ المُتَعَاقِبَةُ، وَتَطْمَئِنَ إلى حَالِكِ الرِّجَالُ البُنَاةُ الرَّاقدينَ.

نقابَتُنَا، سنونَ تَمْضِي، وأُخَرُ تَتَوَالَى، وحالُكِ كَحالِ الْوَطَنِ يُصيبُكِ ما يُصيبهُ، وتصيب فيما تفعل، وقد يصيبها بعض مِنْ خَلَلٍ، قد تخطِئُ في حِينٍ، وتَشْرَئِبُ في حِينٍ آخَرٍ، وَيَبْقَى شِعَارُهَا تَرابُطاً وأُخُوَّةً وتَعَاضُداً.

كُلُّنَا مِنَ الوطَنِ، وَلَهُ وَمِنْهُ، نحيا ونعيشُ معاً بمصيرٍ مُشْتَرَكٍ، ولنقابَةِ العِلْمِ والقانُونِ نُرَدِّدُ: لَنْ ينالوا مِنْكِ يا نقابتي، لأنَّ، فِيكِ وَمِنْكِ، رجالاتٌ قُدُّوا مِنْ صُخُورِ جِبَالِهِ، وَتَمَاسَكُوا بِرِمالِ سَوَاحِلِهِ، وتَفَيأوا أَرْزَهُ ولَيْمُونَهُ، وفيهِ، نَبَتَتْ وَنَمَتْ شَجَرَةُ لبنانَ، وَتَقْوَى فيها الجذورُ والبُنيانُ بأبْنَائِهَا، ومُنْتَسِبينَ إلَيْها مُسْلِمينَ وَمَسيحيِّينَ، لِيَتَعَايَشُوا في أَحْشَائِها أُخْوَةً، يَتَنَاوَبونَ على سُدَّتِهَا في عُرْفٍ نَدُرَ نظيرُهَ.

أيُّها السادَةُ،

في السَّنَتَيْنِ المُنْصَرِمَتَيْنِ اصطفَتْ إلى جانِبِنَا جَمْهَرَةٌ مِنَ المحامينَ تُدافِعُ مَعَنَا عَنْ قلعتِهَا بكُلِّ قُوَّةٍ وإرادَةٍ.

وبالمقابلِ راحَ البعضُ يُطلقونَ نَحْوَهَا سِهَامَ التَّجريحِ، قاصِدينَ شخصي مُتَنَاسينَ أنَّ النقيبَ أيّاً يَكُنْ اسمه وميوله ومواقفه ونجاحاته وعثراته، يبقى النقيبُ الذي يُعَرَّفُ عَنْهُ بهذِهِ التَّسميةِ ولَيْسَ باسمِهِ الشخصي.

تخطَّيْتُ مَعَ مجلسِ النقابَةِ الأخطارَ والأزماتِ بصلابَةٍ وتماسُكٍ، فشُكْراً لَهُمْ جميعهم على هذا الموقِفِ الذي يُحْسَبُ لَهُمْ وعَلَيْهِمْ.

وبَقِيَتْ النقابَةُ مُمْسِكَةً بمرْسَاةِ الأمانِ تُحَقِّقُ كُلَّ يومٍ إنجازاً تِلْوَ الإنجازِ، بدءاً مِنْ إنهاءِ تجهيزِ قاعاتِ النقابةِ، إلى الوفْرِ المالي إلى اسْتِلامِ قصرِ العدلِ الجديدِ في طرابلس، والمستوصفِ المجاني، والخدماتِ والتسهيلاتِ المصرفيةِ العديدةِ، والانطلاقِ بالنقابةِ نحو التطوُّرِ كالصفحةِ الإلكترونيةِ والتَّطبيقِ على الهواتِفِ الذكيةِ وبرنامجِ المستشارِ الإلكتروني، كُلُّها، وإنجازاتٌ لا يتَّسِعُ الوقتُ لتعدادِها.

لَمْ نَسْعَ يوماً لغَيْرِ التَّقارُبِ والتَّلاقي مَعَ كُلِّ جهةٍ يَقْتَضي عملُنا اللِّقاءَ بها، وعلى رأسِها مجلسُ القضاءِ الأعلى، برئاسةِ الرئيس جان فهدْ والسادة القُضاة في الشمال، وفي مُقَدِّمَتِهِمْ سعادة الرئيس الأوَّل القاضي رضا رعد، فلَهُمْ منَّا تحيَّةً وتقديراً.

إنَّ عجلاتِ المركبةِ تَتَحَضَّرُ إلى مزيدٍ مِنَ السُّرعةِ وليسَ التَّسرُّعِ في سبيلِ دَعْمِ العملِ القضائي في المحاكِمِ والمؤسَّساتِ القضائيةِ، وإنْ كانَ واقِعُ الوطنِ يُشَكِّلُ عائِقاً أمامَهَا، لكنَّنا سَنَبْقَى مُصِرِّينَ بالرُّغمِ مِنَ الوضعِ السياسي القائِمِ، والعَرقلاتِ الناتِجَةِ عَنْ تَراكُمِ الملفاتِ القضائيةِ والنَّقْصِ في عَدَدِ القُضاةِ والمُساعِدينَ القضائيينَ، على دَعْمِ السُّلطةِ القضائيةِ واستقلالِها، ومُتضامنينَ معها في مواقِفِها العادِلَةِ والمُحِقَّةِ.

والتشكيلاتُ القضائيةُ لَمْ تُبْصِرْ النُّورَ، والتَّجهيزاتُ المكتبيةُ ومفروشات قصر العدل في طَيِّ النِّسيانْ.

كيف لا وحالُ الوطَنِ والجمهوريةِ على حافَةِ الهاويَةِ أمامَ عَجْزِ مُمَثِّلي الشعب عن اقتناصِ فُرَصِ الخلاصِ وانْتِخَابِ رئيسٍ للبِلادِ يُعيدُ التَّوازُنَ إلى المؤسَّساتِ وبينها. ولماذا انتظارُ البشائِرِ مِنَ الخارِجِ وكَيْلُ التُّهَمِ إليهِ بعرقلةِ انتخابِ رئيسٍ للبِلاد؟

أهل لَمْ يَعْلَمْ العالِمونَ أنَّ خلاصنا بأيدينا، وبإمكانِنا أن نَتَفَاهَمَ فيما بيننا كلُبنانيين على الحَدِّ الأدنى مِنَ المحافظة على الكيان؟

إنَّ انتخابَ رئيسٍ للبلاد هُوَ سَعْيٌ دائِمٌ يقومُ به دولة الرئيس سعد الحريري، وبِمُبادَرَةٍ ومُطالبةٍ دائِمَةٍ من البطريرك الماروني، وكافَّةِ المرجعياتِ الروحيةِ والوطنيةِ خارِجاً عن الاصطفافِ المُناوِىءِ للتَّفاهم والتَّلاقي.

أملُنا أَنْ تَتَحَقَّقَ أحلامُنا بوطَنٍ سيِّدٍ حُرٍّ مستقلٍّ تَنْتَظِمُ فيهِ المؤسَّساتُ ويَطْمَئِنُ إليه المواطِنَ في عَيْشٍ حُرٍّ كَريمٍ بدل مِنْ تَسَوُّلِ الخلاصِ مِنَ الخارجِ.

وهل أنَّ الخارِجَ ينتظرُ منَّا غيرَ هجرةِ الأدمغةِ والشبابِ لنَكُونَ يداً عامِلَةً تُساهِمُ في نهضةِ مجتمعاتِهِمْ على حِسابِ دُوَلِنا.

أيُّها السادةُ،

باسمِ نقابة المحامين ومجلس النقابة، أُحَيِّ كُلَّ قرارٍ داخلي حُرٍّ، وكُلَّ يدٍ وطنيةٍ تمتدُ لتَتَشابَكَ مَعَ شقيقتِها في الوطنِ، لتحلَّ كافَّةِ أزماتِنا واحتياجاتِنا.

شكراً لكُلِّ الحضورِ الكريم، إنَّهُ العشاءَ السنوي الذي نلتقي به، وهو موعِدٌ تَعَوَدْنا على إتمامِِهِ ليسَ للقاءٍ عابِرٍ، بَلْ لمناسبةٍ نُحْي فيها رغبةَ التَّلاقي والانسجام الدائِمِ.

شكراً للسادةِ الحضور،

شكراً للزميلاتِ وللزملاءِ،

شكراً للمُهْتَمِّينَ، للمُنَظِّمينَ وللحاضِرينَ جميعاً،

كُلَّ عامٍ وأنتُمْ بخيرٍ.

عِشْتُمْ،

عاشَتْ نقابَةُ المحامينَ،

عاشَ لبنان.