كلمة النقيب فهد مقدم في افتتاح مؤتمر المنظمة العربية للمحامين الشباب في مدينة طرابلس

أيُّها السادةُ الحضور،

المُحَاماةُ مُحاكاةٌ للواقعِ ولشؤونِ المجتمع، وجسمُ المحاماةِ واحدٌ كما شعارُها واحِدٌ في العالم.

مِنْ نَقَابَةِ المحامينَ في طرابلس، تشعبَّتْ أفكارُ جمهرةٍ من شبابِنَا الصاعدِ المتطلِّعِ إلى تشابُكِ الأيدي في العالمِ العربي، فأنشأوا مَعَ بعضِ الزملاءِ المحامينَ العَرَبْ، مُنَظَّمَةً تُعْنى وتُشْرِفُ على تعاضُدِ المحامينَ الشباب في العالم العربي.

إنَّ هذه المنظمةَ العربيةَ للمُحامينَ الشباب قد وُلِدَتْ مِنْ رَحْمِ النقابات العربيةِ المُنْضَوِيةَ تَحْتَ رايَةِ اتحاد المحامينَ العرب بُغْيَةَ التَّجدُّدِ والتَّواصُلِ والتَّلاقي العربي، واليومَ نلتقي بدعوةٍ كريمةٍ مِنْ هذهِ المنظمةْ، فرع لبنان، الذينَ عَزَموا على البَحْثِ والتنقيبِ ومُؤازَرَةِ الواقِعِ العربي بهُمُومِهِ ومَشَاكِلِهِ وقد أفلحوا باختيارِ عنوانِ مؤتمرِهِمْ تَحْتَ شِعَارِ نَحْوَ إِرْساءِ استراتيجيةٍ عربيَّةٍ شامِلَةٍ لمكافحةِ الاتجارِ بالبشر.

إنَّهُ موضوعٌ مُسَاقٌ بالتاريخِ ووفقاً للجغرافيا المتباعِدَةِ أو المُتلاصِقَةِ، وقدْ ظَنَّ البعضُ أنَّ هذه العِبارةَ قد انْدَثَرَتْ مِنْ قاموسِ الفكرِ الإنساني بَعْدَ التطوُّرِ العلمي وانفتاحِ الشعوبِ، وبعد أن تَيَقَّنَ العامِلون على النُّظُمِ الاجتماعيَّةِ بأنَّ هذه الواقِعَةَ هيَ وَصْمَةُ عارٍ على جبينِ الإنسانيةِ أن يكونَ ممَّنْ خَلَقَهُم الله قدْ انقَسَمُوا بفِعْلِ الظلمِ بَيْنَ عبيدٍ وأحرارٍ. فالاتجــارُ بالبَشَرِ أيضاً هو واقِعٌ جديدٌ بعدَ أن كانَ الاستعبادُ هديةً يتلَّقاها طرفٌ يتمتَّعُ بالقوَّةِ من طرفٍ آخر كهديةٍ للاستعمالِ في شتَّى القضايا التي يعملُ على الانتفاعِ مِنْها كبِناءِ القِلاعِ أو الحمايةِ الشخصيةِ أو العملِ اليدوي المُذِلِّ، مَعَ المفارقةِ بَيْنَ اليومِ والأَمْسِ، أنَّ الإنسانَ اليومَ يخضعُ للتجارةِ والتبادُلِ لمنفعةِ الأنظمةِ أو الأشخاصِ الذينَ تَنْقُصُهُمْ إحدى أَعْضائِهِمْ الجسديةِ، فيكونُ بذلِكَ حَلٌّ لِمُشْكِلَةِ القَوي على حِسَابِ المُسْتَضْعَفِينَ والمَظْلُومينَ أَوْ المُحْتَاجينَ إلى بَيْعِ عُضْوٍ مِنْ أعضائِهِمْ البَشَرِيَةِ ليُكَمِّلوا بِهِ حاجاتِهِمْ الماديَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ، ولكن هذا لا يُقَاسُ على هِبَةِ الأُمِّ لوَلَدِهَا لِجُزءٍ مِنْ جَسَدِهَا فيُسَمَّى بذلكَ قِمَّةُ الحُبِّ والحنانِ.

إنَّ ملاحظةً لُغَوِيةً تَسْتَوقِفُني في هذا العنوان استعمالِكُمْ لِكَلِمَةِ نحوَ وهذِهِ تَعْني لُغَوياً "الاتجاه"، فإنَّكُم تَسْعَوْنَ إلى اتخاذِ ناحيةٍ تعبرونِ من خلالِها إلى حلِّ معضلةٍ شائكةٍ تَشْغَلُ البشريةَ اليومَ، بافتعالِهَا للحُروبِ وتهجيرِ الشُّعوبِ وتَرْكِهَا لواقِعِهَا ولِمَعَالمِ إرثِهَا الثقافي والحضاري تَحْتَ مُسَمَّياتِ التَّخلُّصِ مِنَ النيرانِ العَدُوَّةِ والصديقةِ، فتضيعُ هذه الشعوبُ المظلومةُ في أصقاعِ العالمِ تَتَخَبَّطُ في أمواجِ البِحارَِ، يُنْقَذُ البَعْضُ منها، فيُصْطادُ في شَبَكَةِ الموْتِ الناعِمَةِ، والبعضُ منها يَقْضي غرقاً، فيُنْتَشَلَ مَيِّتاً إلى مَسَالِخِ تُسَمَّى بثلاَّجاتِ المَوْتِ، حيثُ لا رقيبَ ولا حسيبَ على وَحْشيةِ العِلْمِ لِيَنْهَشَ بجسدِ الإنسانِ بِدُونِ إستئذانٍ، فَيُنْزَعَ مِنْهُ ما يَنْتَظِرُهُ الغَيْرُ دونَ احترامٍ لحُرْمَةِ الميت، ناهيكَ عن استِغْلالِ الضعفاءِ والنازحينَ والاتجارِ بحقوقِهِمْ وأجسادِهِمْ خدمةً للذَّةٍ جسديةٍ عابِرَةٍ.

إنَّ استراتيجيةً عربيَّةً شامِلَةً لمُكافَحَةِ الاتجارِ بالبَشَرِ هي ضَرُورَةٌ لواقِعِنَا العَربي الحالي، هـذا الواقِعُ الذي نَتَصَارَعُ فيهِ مَعَ أَنْفُسِنَا خِدْمَةً لأفْكارِ سِوانا والذي قدْ لا نَصِلُ فيهِ إلى بَرِّ الأمانِ وعَوْدَةِ الإنسانِ إلى ما يَصْبُو إليهِ مِنْ رِفْعَةٍ ومَكَانةٍ واحْتِرامٍ.

نقولُ ذلكَ وَنَحْنُ في واقِعٍ عربيٍ مُتَرَدٍّ تَتَفَكَكُ فيهِ النُّفوسُ وتَتَشَعَّبُ الأفكارُ وتَتَبَاعَدُ المذاهِبُ، وتُمْحَى مِنَ الذاكِرَةِ قضيةُ القوميةِ العربيةِ وعلى مِثَالِهَا تعيشُ المنظماتُ العربيَّةُ حالاً مِنَ الضبابيةِ والضَياعِ، واتحادُ المحامينَ العرب بنشأتِهِ وأهْدافِهِ يبتعدُ عَنْ مأرَبِ ومُبْتَغَى صانِعيهِ، وهُوَ لا يلعبُ اليومَ الدورَ الجامِعَ خاصَّةً للِمُجْرَياتِ الأحداثِ المُتَلاحِقَةِ والتي لمْ يعُدْ بمقدورِنا أَنْ نَتَبَصَّرَ نتائجَهَا السلبيةَ الحتميةَ المُقدَّرةَ لمستقبلِ هذه الأُمَّةِ المرميةِ والمُستفردةِ لجراحاتِها المُضنيةِ، وليسَ أهمُّها وأقدسُها من قضيةِ فلسطين المبعثرةِ على مساحَةِ الوطن العربي والعالم بأسرِهِ.

إنَّ آثارَ الانشقاقاتِ العربيَّةِ وعَدَمِ وحدةِ الرؤيةِ وانعدامِ التَّروي في القراراتِ العربيَّةِ سيزيدُ من جراحاتِنَا وتباعُدِنَا وانعكاساتِهِ السلبيَّةِ على حالِنا المُزريةِ، وهاكُمْ ما أصابَنا في لبنانْ، من تعنُّتٍ وتمنُّعٍ ومخالفةٍ للدستورِ في انتخابِ رئيسٍ للجمهوريةِ بالرغمِ من بَعْضِ المبادراتِ الأخيرةِ الخيِّرَةِ التي يقودُها الشيخ سعد الحريري في دعوتِهِ للحوارِ وانتخابِ رئيسٍ للجمهورية وسدِّ الفراغِ الدستوري، وإنهاءِ الشللِ الحكومي، وإعادةِ التَّواصُلِ بينَ اللُّبنانيِّينَ لما فيهِ مِنْ مصلحةٍ للكِيانِ وللجمهوريةِ.

إنَّ مؤتمرَكُمْ هذا هُوَ فرصةٌ للتذكيرِ وللتذكُّرِ بواقِعِنا المريرِ لكُِلِّ النواحي الاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ، فإضافةً إلى وُجوبِ إنشاءِ استراتيجيَّةٍ عربيَّةِ شامِلَةٍ لمكافحةِ الاتجارِ بالبشرِ، فإنَّنا ندعو إلى وَضْعِ استراتيجيةٍ عربيةٍ شاملةِ مماثلةٍ لمنعِ الاتجارِ بباقي الأقطارِ، خشيةً مِنْ أَنْ نَصِلَ إلى هاويةٍ يَصْعُبُ علينا الرُّجوعُ عَنْ الانزلاقِ في واديها السحيق.

أملُنَا وأُمنياتُنا أنْ تَنْجَلِيَ الغُيومُ السوداءُ عَنْ أَقْطارِنَا العربيَّةِ وأَنْ يَعُودَ لهذِهِ البلدانِ قيمةُ الإنسانِ الحقيقيةِ في العَيْشِ بكرامةٍ وسلامٍ وعنفوانِ.

عِشْتُمْ، عاشَ لبنان.

                                                                          نقيب المحامين في طرابلس
                                                                                فهد حسام مقدم